السيد عبد الله شبر
342
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
( كنهها ) يعني ذاتها وجوهرها وما به قوامها . ( الربوبيّة ) يعني التشبّه بالربّ والتخلّق بأخلاقه في جميع صفاته وأفعاله حتّى في الخلق والإيجاد ، لا بمعنى خلق الأجسام ، بل بمعنى إحيائها بالتعليم والإرشاد وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً « 1 » . والمراد : صيرورته ربّا لقواه البهيميّة وشهواته النفسانيّة ، ومسلّطاً عليها بالرياضات والمجاهدات ، فلا تحصل إذاً حقيقة العبوديّة إلّابحصول حقيقة الربوبيّة بهذا المعنى ، كما يحكى أنّ الإسكندر الرومي وقف بين يدي ديوجانس الزاهد الحكيم وكان في الشمس ، فقال له : ما حاجتك ؟ فقال : حاجتي أن تتنحّى عنّي حتّى تقع الشمس عليَّ ، فقال له الإسكندر : ما هذا التهاون بي ، أما تعرفني ؟ فقال له ديوجانس : أعرفك إنّك عبد عبدي ، فقال : وكيف ذلك ؟ فقال : لأنّي ملكت الطبيعة والشهوة واستعبدتهما ، وهما ملكاك واستعبداك ، فأنت عبدٌ لمن استعبدُتُه . وبتقرير آخر : أنّ العبوديّة جوهرة كنهها ومآلها التخلّق بأخلاق الربوبيّة ، كما ورد في بعض الأخبار : « تخلّقوا بأخلاق اللَّه » « 2 » ، وفي بعضها : « يا بن آدم أطعني أجعلك مِثلي ، تقول للشيء : كن فيكون » « 3 » . وقوله : ( فما فُقدَ من العبوديّة وُجد في الربوبيّة ) ، لمّا ذكر عليه السلام أنّ كنه العبوديّة وحقيقتها هي التخلّق بأخلاق الرب والاتّصاف بصفاته ، وحينئذٍ فما فقد من العبوديّة من صفات الكمال للنقصان الذاتي ، أو لعدم القابليّة فلابدّ وأن يكون موجوداً فيمرحلة الربوبيّة لكماله الذاتي . ( وما خفي عن الربوبيّة ) أي من صفاتها وكمالاتها الفعليّة ، فمظهره العبوديّة والمخلوقيّة ؛ لأنّها المظاهر لأسماء اللَّه وصفاته كما أشير إليه في الحديث القدسي : « كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن اعرف ، فَخلقتُ الخلق لكي اعرف » « 4 » .
--> ( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 32 . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 58 ، ص 129 . ( 3 ) . مستدرك الوسائل ، ج 11 ، ص 258 مع اختلاف في العبارة . ( 4 ) . بحار الأنوار ، ج 84 ، ص 198 ؛ وص 344 .